نهى الجندي تكتب: منحدر الصعود للقاهرة

مر عام على انتقال أسرتي إلى القاهرة.. عام كامل مر، ولم أخرج من حيي السكني أكثر من عشر أو خمس عشرة مرة.. السواقة في القاهرة أقوى من قدراتي النفسية.. أذكر ثاني أو ثالث مشوار لي، كان لتجمع عائلي في الزمالك.. \”مالك شكلك منهار ليه؟\” أفسر لهم \”جاية من المعادي سايقة\”.. لم يفهم أحد ما المشكلة بالضبط، والكل تساءل: \”آه وبعدين\”؟

نجينا من التجربة.. التجربة مرعبة.. حاولت التنقل بالمترو، في كل مرة أضطر للنزول في محطة الشهدا تدمع عيناي فرحة بنجاة أولادي.. ألتفت لرقية قائلة: \”أنا فخورة بيكي\”.. تنظر لي ذاهلة كيف استطاعنا الخروج من الكتلة البشرية.. \”مابحبش المترو يا ماما\”، و\”حد عايز محافظ، حد عايز توك\”.. تردد رقية.. كل قول وكل قرار سياسي وأمني تسبب في تعسيف الناس وامتهان آدميتهم محفوظ عند الرقيب العتيد، فهنيئا لكل مسئول متسبب في غلق محطة السادات.

عشر أعوام من السواقة داخل مدينة صغيرة في نفس حجم حي المعادي، يجعلني أتعامل مع القاهرة على أنها مجموعة مدن دخلت في بعض.. أنا من طنطا، فليس من المنطقي أن اسعي للأشتراك في نادي بالمحلة ومدرسة لأولادي في بنها.. بالمناسبة المسافة بين المعادي ومدارس وسط البلد، هي نفس المسافة بين مدن الدلتا وستة أكتوبر.. دي قارة أخرى، فلا معنى لدي للخروج من مدينتي\\حيي السكني، إلا لأن أكل العيش مر.

أذكر أول زحمة.. الساعة خمسة على الدائرئ، مر أمامي أوتوبيس أحد الشركات الكبرى في القاهرة، عائدا بموظفين على وجوههم إرهاق وتعاسة راكبي عربية ترحيلات السجون.. ألتفت لزوجي: \”أنت بتسوق على الطريق ده كل يوم؟\”، لم يرد، فأكملت: \”أنا مش عايزة أشتغل\”.

القاهرة هي مصر، والباقي حرافيش.. يكفيك زيارة محطة مصر، توغل قليلا حتى تصل لرصيف الوجه القبلي، ستجد نقلة نوعية في الزمان والمكان ورصيف على حاله لم تمسه أي تجديدات من أيام الإنجليز! محافظات الدلتا أكبر مراكز طرد للسكان.. قربنا من العاصمة مع تحول الدلتا لمقلب زبالة كبير، لا يجعل الاختيار صعبا على خريج الجامعة. حاليا لا يوجد شارع واحد في طنطا مرصوف بالكامل، والزبالة تفوق الوصف.. مستوى الخدمات لا يرتقي للسعر المدفوع و- صدق أو لا تصدق- شقة على شارع رئيسي في طنطا، أغلى من شقة على كورنيش العجوزة أو شقة بالتجمع.

حاول شباب جامعي وبعد جامعي متحمس نقل تجارب ثقافية من القاهرة، أو فتح أسواق التكنولوجيا الجديدة في الدلتا، لكن كلها محاولات فردية تأثيرها محدود للغاية وتفتقر تماما للدعم، الموجه بالكامل للقاهرة أو للأماكن المهمشة تماما، وعلى درجات أسفل مننا بكثير على سلم الحضارة.. الدلتا حتى في الفشل مش عارفة تفشل، لدرجة تجلب لها المعونات.

ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت، وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت.. كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري.. سنة على الانتقال تجعلك لامنتمي لمكان محدد.. زياراتي السريعة لأهلي في طنطا، لا تعطيني الفرصة لمعرفة أخبار أصدقائي أو ما طرأ على الشارع الطنطاوي، فأفاجأ بمحلات أغلقت وأخرى جديدة فتحت، وشوارع تغير أتجاهها، وأماكن أصدقائي المفضلة لم تعد موجودة.. اتمشى في شوارع المعادي.. حي جميل وهادئ، وناس لطيفة.. لا أعرف عنهم شيئا، وتوهان لا ينتهي في ميادين يتفرع منها ستة شوارع تقودك لميادين أخرى بستة شوارع جديدة. أكشاك الورد والشجر والمعارض الفنية في المعادي جميلة، مجتمع نشيط وحي ويذكرك كم أنت وحيد ولا تعرف أحدا هنا.

إحنا شعب مكتئب.. معروفة.. الفرق بين اكتئاب الطنطاوي واكتئاب القاهري، أن طنطا لا منفذ لها.. لا بحر.. لا نيل.. لا أرض خضراء واسعة أو جنينة تنطلق فيها مع أولادك.. اختياراتك محدودة ومنافذ البهجة منعدمة، وبالتالي فقر تام في الخيال أو القدرة على الابتهاج.

اعرف عائلات كثيرة من الطبقة المتوسطة لا تعرف بوجود فسح في القاهرة غير المولات أو مجمعات المطاعم.. تخيل بؤس من يعتبر المول التجاري فسحة.. القاهرة مدينة مهلكة تستنزف الروح والأعصاب والأموال، لكنها تمنح من يمتلك روح المقاتل أن يقاوم إنهاك الأسبوع ويبتهج بمهرجان ربيع هنا أو حفلة شواء هناك أو فرقة تغني في جنينة ما، هناك منافذ للروح في القاهرة محاطة بتنانين ساعات العمل الممتد إلى ما لا نهاية والمرور القاهري المستحيل.

\”فأغشيناهم فهم لا يبصرون\”.. ارددها في كل مرة أمر بجانب شلة شبابية لا ارتاح لتصرفاتهم.. منحني الله أذنا ثقيلة السمع وسرحانا علامة مسجلة وراثة عن أبي، حفظاني من سماع أو ملاحظة ٩٠٪ من عبارات التحرش أو الأساءة اللفظية الموجهة لي.. أذكر من المرات النادرة التي سمعت فيها عبارة موجهة لي، كانت بذيئة جدا، ولم استوعب ماذا فعلت لاستحق هذه البذاءة؟! بكيت لصديقة بحرقة، فنظرت لي ذاهلة: \”أنت عبيطة يا بنتي؟\”. سرحاني موجه في تأمل وجوه خلق الله.. التحرش في مصر كلها، لكن القاهرة تفوز باكتساح.. الشوارع بوتقة تحرش لا تنتهي ولا تسلم منها فتاة أو سيدة مهما كان شكلها، جسمها، سنها، وضعها الاجتماعي.

المواصلات جحيم والمترو كارثة، فلتقل ما تقول في حق عربة سيدات في المترو.. مهما كانت شكلا من أشكال التمييز العنصري أو تكريس لمفهوم ضعف المرأة التي تحتاج للحماية أو تنتهك حق أي فتاة تقرر لسبب أو ظرف ما ركوب العربة المختلطة.. عربة سيدات المترو نعمة من الله. شباب في عربية ملاكي في طنطا تحرشوا لفظيا بفتاتين في عمر أختي الصغيرة وهم أحدهم بمد يده على واحدة من الشباك، فوجأوا بي برزّع على كابوت العربية صارخة في وجوههم: \”بص قدااااامك\”

أنا مبقتش بخاف في طنطا خلاص، بقيت بخاف في القاهرة أكتر.

خرّجنا منها سُلام.. أكتاف على أقدام.. خرّجنا منها نضاف.. الدم مش ع الكفّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top