علا غالي تكتب: المصريون والتقاليد

حرية التعبير.. المارد يتحرر من الأغلال
تعرضت حرية التعبير في المجتمع المصري لطعنات متتالية من الأنظمة الثلاث. السياسية بدافع التخويف والدينية بدافع التحريم والثقافية بدافع التقاليد. وفي هذا المقام اتعرض لدور الثقافة في انتهاك حرية التعبير.
كان لجيل الآباء لقرون طويلة طريقة خاصة في تربية الأبناء يفرضها المجتمع المحافظ وتتوارثها الأجيال. فلا حوار أو تواصل أو أي نوع من أنواع التفاهم وإنما خضوع تام لرغبات الأهل الحكماء أصحاب الخبرة والعالمين بالمصلحة.
حكى الموسيقار الكبير الراحل محمد عبد الوهاب عن مراحل بداية شغفه بفن الغناء وهو صغير وعمله بفرقة الفنان فوزي الجزايرلي الذي أعجب به عندما سمعه وعرض عليه فرصة للغناء على جمهور المسرح والذي كان من تقليد المسارح حينذاك تقديم فقرات ترفيهية بين فصول العرض كالغناء والرقص.
وقبِل عبد الوهاب الغناء مقابل خمسة قروش تعهد الجزايرلي أن يمنحها له إن عاد في الليلة التالية، ولكن لأن والده \”عبد الوهاب أبو عيسى الشعراني\” شيخ متحفظ فكان الغناء في ذلك الوقت رجسا من عمل الشيطان لا يصح لابن الشيخ الوقور أن يحترفه، فكان عبد الوهاب الطفل يمارس الحيل وينتظر كل ليلة خلود والده إلى النوم ليذهب إلى المسرح لأداء فقرته قاطعا مسافة لا بأس بها سيرًا على الأقدام. وفي يوم اكتشف الأخ الكبير لعبد الوهاب شيئا مريبا يحدث في أرجاء المنزل ليلا فانتظر يراقب ليرى عبد الوهاب وهو يخرج متسللا من الباب فقرر ألا يواجهه، بل يتتبعه ليكشف سره. دخل عبد الوهاب المسرح ودخل أخوه وراءه وشهده وهو يغني أمام الجمهور فانتظره بعد العرض عند الباب الخلفي للمسرح. يقول عبد الوهاب بتعبيره إن أخاه قد ربطه بحبل وسحله من المسرح بحي سيدنا الحسين إلى منزلهم بحي الشعراني \”باب الشعرية الآن\” ليدخل على والدته \”مشعث\” وفي حالة يرثي لها فضمدته وبدأت تهدئ من روعه وروع أبيه وأخيه الثائرين، لكن جميع محاولاتها قد باءت بالفشل واستقر الرأي على عدم السماح له بالعودة للمسرح أو الغناء وأسقط في يد عبد الوهاب إلى أن عرض عليه أحد معارفه الذهاب إلى سيرك بدمنهور ليغني هناك. لم يتردد وقبل العرض وهرب من بيت أسرته بالقاهرة وذهب إلى دمنهور ولأنه لم يكن لديه مكانا للمبيت فكان ينام مع حيوانات السيرك وبدأ الأهل رحلة البحث عنه حتى عثروا عليه وأعادوه إلى المنزل خاضعين مستسلمين هذه المرة لموهبته ورغبته في ممارستها لتوجه في الاتجاه الصحيح.


كل هذا العناء الذي مر به عبد الوهاب من أجل أن يمنح فرصة لعرض موهبته والتعبير عنها. فالقهر الذي تغلب عليه نموذج لكيفية اعتداء ثقافة المجتمع على حرية التعبير بسبب التقاليد. فكم من مواهب شملتها المحرمات ومنع أصحابها من ممارستها؟ ولا أعرف كيف لنا أن نتخيل الساحة الفنية اليوم بدون إسهامات الفنان المبدع محمد عبد الوهاب أو نتخيل بأسف كم من مواهب قد وئدت في مهدها حية قبل أن ترى النور نتيجة هذه الرجعية والفكر المتزمت. واترك للقاري العنان لتخيل الأعداد الهائلة من الأفراد التي لم تنجح في التغلب على هذا القهر في كل الاتجاهات التي تحدثت عنها في بداية المقال.
وأتصور أن السبب الرئيسي الذي يحرمنا اليوم من ظهور عظماء جدد هو أن فكر المجتمع يزداد تزمتا ورجعية وإن ادعى غير ذلك.
يذكر عن الإمام مالك بن دينار أنه دخل المسجد واعظا في الناس فأبلغ في وعظه حتى بكى وأبكاهم ولما فرغ من الصلاة بحث عن مصحفه فلم يجده فنظر للجمع وقال قولته الشهيرة: \”ويحكم كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟\”
لكن أعود وأفكر. ماذا لو كان لدى عبد الوهاب جهاز كمبيوتر مزوّد بكاميرا ووصلة إنترنت لينشئ باسمه حسابا على موقع يوتيوب ليقوم بتسجيل ما يشاء دون أن يبرح حجرته في المنزل أو يعلم أهله عنه شيئا ويحظى بفرصة مشاهدة ملايين من البشر حول العالم وليس مجرد عشرات هم رواد المسرح الذي كان يذهب إليه في ركن من أركان القاهرة.
كذلك منحت مواقع التواصل الاجتماعي فرصة للجميع لعرض آرائهم دون أدنى سيطرة أو رقابة من أحد. هذا إلى جانب الكتابات التي تتطاير يوميا في فضاء الإنترنت على المواقع الإخبارية ويجد كتابها من يتبنى نشرها لأعداد هائلة من المتلقين الذين يتفاعلون معها ويتأثرون بها. ولست هنا بصدد الحديث عن إيجابيات هذا التطور الهائل في وسائل الاتصال أو سلبياته القليلة جدا لكن لأعرض حقيقة غائبة عمن يعتقدون أن لديهم حق منح أو منع حرية التعبير اليوم والتي ما عادت شعارا يستحق ثورة من أجله. فقد بدأت التكنولوجيا الحديثة تبني كفالتها للجميع دون استثناء كما سلبت من الأنظمة السياسية والدينية والثقافية فرصة الاستئثار بمنحها كهبة. ولأصحاب السلطة بأنواعها الظانين أنهم لا يزالوا قائمين على الأمور وممسكين بزمامها أقول: \”إن بعض الظن إثم\”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top