حسام الخولي يكتب: حديقة الأنماط .. "فام فاتال" احترس.. المرأة بها سم قاتل

في يوم من الأيام .. سأحدثكم عن بعض العناصر والأشياء التي ما إن تقع عليها أعينكم في فيلم، فسيكون من اللازم تحويل القناة فورا, ولو كان ذلك في دار العرض، فيجب الاكتفاء بالحسبنة واستعاضة الله سبحانه وتعالى في مصاريف الخروجة والتذاكر، واحد من هذه العناصر التي ترمز قبل أي شيء للرداءة والفقر الإبداعي والإغراق في التيمات التجارية، هي تلك الفتاة أو السيدة \”المزة\”، فما عدا استثناءات نادرة جدا، فإننا نتحدث عن تلك المزة التي ترتدي ملابس جلدية ضيقة وتمسك بمسدس عملاق أو سيف أو Machine Gun وتستمتع بالقتل أيما استمتاع تنفيذا لرغبات القوى الشريرة التي تعمل تحت إمرتها أو لمجرد التسلية أحيانا.. هو نمط من أتفه ما يكون إذا أخذنا بالظاهر، لكنه يخفي الكثير من الأفكار ويمتلك الكثير من المدلولات الثقافية والتاريخية والنفسية لو تعمقنا قليلا فيه، ويمكننا هنا أن نحاول أن نبدأ من نقطة بعيدة قليلا في التاريخ، نلقي بها بعض الضوء، والضوء أمر جيد, بالذات أثناء الحديث عن المزز.

نبدأ من أين.. من السيرينات (عرائس البحر) في الأسطورة الإغريقية القديمة، اللاتي كن يغنين بصوت فتان يجذب البحارة الأغبياء حتى ينحرفوا عن مسار إبحارهم و(يتدهولوا على عينهم)، وتصطدم سفنهم بالصخور، لتقوم الفاتنات بالتهامهم. أم نبدأ من عند \”سالومي\” التي رقصت عارية للملك في الحكاية التوراتية.. قامت \”سالومي\” بذلك، ليس حبا في الملك \”هيرود\”، الذي رقصت أمامه، ولا رغبة في ممارسة التعبير الحركي، لكن لتبر وعدها الذي قطعته للملك في مقابل قتل النبي \”يوحنا المعمدان\”، وتقديم رأسه له على طبق.. نعود قليلا إلى الوراء لنجد \”عشتار\” البابلية التي طالما أغوت الرجال، وأهانتهم بغرض التسلية حتى قام البطل \”جلجاميش\” بتلقينها درسا أو اثنين.. نقفز إلى الأمام كثيرا لنجد \”جريندل\” في الحكاية الشعبية الأنجلوسكسونية \”بيولف\”, وهي للأمانة تصور في الحكاية الأصلية على أنها غولة بشعة المنظر، لكن الأستاذ \”روبرت زيميكس\” كان له رأي آخر، حين قرر تصويرها كأنثى فائقة الجمال في فيلمه Beowulf  سنة 2007، واختار \”أنجيلينا جولي\” لتكون نموذجا للشخصية (مات الكلام كدة).

الأمثلة كثيرة لا عد لها ولا حصر من التاريخ والميثولوجيا والنصوص الدينية والأدب وغيره.. طبعا بما أن الدراما والسينما استوعبتا الكثير من وظائف تلك الوسائط في حياتنا من التسلية والتوعية إلى الإبداع والتوثيق، فإنه كان من الطبيعي أن تنتقل نماذج النسوة الجميلات القاتلات إلى الوسيط الجديد.

ونجد أنفسنا أمام عدد لانهائي من التجسيدات تتراوح من الكاريكاتيري البحت مثل الأخت \”زينيا أوناتوب\” في فيلم جيمس بوند Golden Eye ، التي كادت تصل إلى الأورجازم وهي تصفي عشرات البشر بالسلاح الآلي في أحد مشاهد الفيلم, إلى التصوير الأكثر تعقيدا وعمقا – وإن لم يخل مع ذلك من بعض النمطية للمرأة المثيرة المضطربة نفسيا التي ترتكب أو تتسبب في ارتكاب الجرائم- وتقف الأستاذة \”شارون ستون\” كنموذج مستقل بذاته في فيلمها الذي أثر في و شكّل جزءا مهما من ذاكرة جيل كامل Basic instinct ، وحتى نصل إلى العظيمة (عظيييمة) \”إيفا جرين\”، التي صدمتنا العام الماضي بفيلمين وليس فيلما واحدا.. هما

300 Rise of An Empire و Sin City , A Dame to Kill For أدت فيهما ذلك الدور ببراعة.. قللت كثيرا من التأثير السمج لهذا النمط.

السر الذي جعل ظهور هذا الشكل في سينمانا وأعمالنا الدرامية العربية والمصرية أمرا نادرا، هو في الواقع ليس سرا إلى هذا الحد.. فقط اعصر على نفسك كرجل شوبا من الليمون، وحاول أن تتطفل في الجلسة على أحد النقاشات التي تدور بين النساء في عائلتك، أو في محيطك عموما، بالذات لو كن من النسوة اللاتي ينتمين إلى القطاع الأعرض من الطبقة المتوسطة، وكن من شريحة عمرية تخطت الأربعينات قليلا.. كن موجودا فقط حين يتم التطرق إلى امرأة من نساء العائلة تتمتع بقدر من الاستقلال أو الشخصية القوية.. يبدأ دائما هنا الانتقاد الأساسي بان هذه ست \”قادرة\” أو \”قوية\”، وبما أن هاتين الصفتين جالبتان للذم والاحتقار في ثقافتنا – يعلم الله من أي حفرة من حفر التخلف خرجت هذه الفكرة- فمن البديهي أن تكون الصفتان الأدعى للمدح والإعجاب، أن تكون المرأة عاجزة وضعيفة، حتى وإن امتلكت من الأسباب ما تمكنها من ألا تكون كذلك!

وربما كانت أدوار ليلى فوزي في فيلم \”ضربة شمس\” 1980 واللبنانية نور في فيلم \”الرهينة\” 2006 من المحاولات القليلة لإعادة إنتاج هذا النموذج، لكن في الثقافة الغربية كما في الشرقية، نجد أن نموذج المرأة القوية الخطرة التي تمثل تهديدا وتحديا مزدوجا أمام الرجل في رغبته وانجذابه نحوها وفي صراعه ضد ما تمثله من خطر في نفس الوقت.

ويزيد من هذا التهديد وذلك الخطر، احتمالية أن ينهزم أمامها، فتصبح من هزمته امرأة! وذلك هو ما يشعل الشحنة العاطفية لدى المتفرج – الرجل طبعا- في لحظات الصراع الحرجة على الشاشة بين الاثنين، وما يزيد من هذه الشحنة قوة، ما يمكن أن يكون قد تراكم من خبرات وتجارب لدى هذا أو ذاك في حياته.. ينتظر من بطل الفيلم أن يعوضه – ولو قليلا- عن التجارب الفاشلة في هذه اللحظات، وبما أنه لا فارق، لأن في الواقع الثقافة الغربية مازالت إلى الآن تعاني من قدر من الاختلال الذكوري، إلا أن المشكلة في أعمالنا – في رأيي – أن الموضوع سيتجاوز عدم التصديق والسخرية لدى المتلقي، إلى أن يتلامس مع بعض أوتار الكرامة الرجولية المفتعلة، والتي لا تتحرك إلا في الهيافات بالذات.. ذلك ما يجعل الأمر منفرا إلى حد كبير للمتلقي، وبالتالي غير جذاب لصانع العمل أن يقدمه.. عموما لم نخسر كثيرا، أو لم نخسر على الإطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top